مسرحية «استدعاء ولى أمر» ومأسـاة جيــل يخـاف من هـذا الواقـع

فى عرض «استدعاء ولى أمر» تأليف محمد السورى وإخراج زياد هانى تقوم الحبكة فى بنيتها الأساسية حول مشكلات الأسرة المصرية،

 المشكلات الاجتماعية من خلال عناصر الأسرة التى يقدمها العرض، الأب المتخلف الظالم والمستبد، الصورة التقليدية التى طرحتها السينما المصرية فى سياقات أخرى من قبل، وأيضاً الأخت المقهورة الضحية، مع الأم المغلوبة على أمرها، و«يحيى» البطل الرئيسى هو نتاج هذه الأسرة، مريض نفسى يقدمه المخرج فى صورة بقايا إنسان من خلال فضاء الحكاية غير المحدد متعدد المستويات، المدرسة والبيت والمستشفى، مع الأبواب العديدة هنا وهناك، أبواب مغلقة، فضاء يوحى بالقسوة، الأماكن الثلاثة لا تختلف، فهو يتلقى الإهانة ويعيش المعاناة فى كل هذه الأماكن، مقهوراً ومضروباً ومهاناً، ينزف دماً، يعتدى عليه الأب ويقسو عليه المدرس ويهزأ به الطبيب.

للوهلة الأولى يضع المخرج زياد هانى المشاهد فى هذا الفضاء بكل مستوياته، فضاء البيت / المدرسة / المستشفى، يحيى هذا الذى قتل الأب والأم، قتلهما، ليس فى الواقع، لكن بداخله يشعر بالذنب، يتألم، هم ما زالوا أحياء ولكن بالنسبة لنا نحن المشاهدين، لكن يحيى قتلهما بالفعل وهذه قناعته والتى هى جزء من البنية الأساسية للحكاية! أخت يحيى نتاج هذه الأسرة تبحث عن أب آخر من خلال حبيب فى سن الأب ويتخلى عنها أيضاً رغم خضوعها واستسلامها له فتضيع وتلعب بها أيدى الرجال التى جسدها المخرج ببراعة من خلال الأيادى التى تبرز من الباب المغلق، الأيادى التى تلعب بمصير هذه البائسة دون أن نشاهد أصحابها، مع نموذج الأم المقهورة الحيادية وغير المؤثرة بالإضافة إلى ثلاثة نماذج من الأطباء يعالجون يحيى، أحدهم قاس، مغرور، فظ ويبدو أنه جاهل بامتياز، والثانى بلا شخصية فقط شره للطعام قدمه المخرج فى صحبة مجموعة من طواجن الطعام، وطبيبة مختلفة رقيقة تحاول إنقاذه.. لماذا ثلاثة أطباء؟ ربما لتعدد مستويات القهر فى المستشفى! والطبيبة فى نظر يحيى قطة كبيرة حاولت إنقاذ قطة صغيرة فكانت النتيجة أن أصابتها بجراح قاتلة! وأخيراً وخارج فضاءات الحكاية المتعددة المستويات وفى مساحة أقرب إلى الجمهور منها إلى حيز اللعب يقبع المتشرد، هو بمثابة مستقبل يحيى، امتداد للحياة، ربما يكون مرآة يرى فيها نفسه، سوف يزوره يحيى بين الحين والحين، لنكتشف أن كلاهما ضحية الأب. لتتجسد رؤية المخرج من خلال فضاء الحكاية متعدد المستويات لنشاهد هذه الحكاية من خلال أزمنة متعددة يختلط فيها الماضى بالحاضر، حيث يبدأ العرض من قتل يحيى لوالديه، نبدأ من النهاية ونعود من خلال تقنية الفلاش باك من خلال مجموعة من اللوحات بين البيت والمدرسة والمستشفى، مشاهد العقاب بالحزام من قبل الأب فى البيت، وما جرى له فى المدرسة مع المدرس الذى لا يختلف كثيرا عن الأب، فهو صورة مكررة من الأب فى المدرسة، يقهر يحيى الذى يقف أمامه عاجزاً، بالإضافة إلى مشاهد المستشفى الحافلة بالقهر أيضاً.. ورغم هذا المشهد البصرى الحافل بالرموز والدلالات سوف يتبادر إلى الذهن سؤال ملُح وضرورى حول النص... لماذا يتم قهر يحيى من جميع الأطراف الأب والمدرسة والمستشفى، لأن فى ما يقدمه النص نتائج خالية من الأسباب، أقرب إلى الميلودراما التى يعيشها البطل وأخته، نحن أمام شخص مقهور، وأب ظالم ومستبد، ومدرس يحمل نفس الصفات، وأم مغلوبة على أمرها وأخت ضحية، لماذا هم فى هذه الصورة، حيث تبدأ الأحداث وهم فى الصورة ولا نعرف لماذا أصبحوا هكذا؟ ناهيك عن أنها نماذج تقليدية، والأهم أنها شخصيات منزوعة من سياقها السياسى والاجتماعى ليس هناك تأثيرات خارجية، نحن فى ثلاثة عوالم لكنها غير موجودة فى العالم، أقصد لا صلة لها باللحظة الراهنة، أى إنها فى عالم مستقل ولهذا هى شخصيات بلا عمق، شخصيات هشة فى بنيتها، فالمقهور مقهور بلا مبرر، والمستبد، فقط مستبد ليس هناك مبرر درامى ليكون مستبداً، ليس هناك مجتمع أو لحظة تاريخية، الأم التى قتلها يحيى فى مخيلته يقدمها النص الذى كتبه المؤلف محمد السورى امرأة مغلوبة على أمرها لا حيلة لها! يحيى اعترف بقتل الأب والأم ويرفض الدفاع عن نفسه، ونحن نشاهد الوالدين وهما على قيد الحياة، يحيى لم يرتكب الفعل ولكنه يرغب فى قتلهما انتقاماً مما حدث له فى هذا العالم، هو يرغب فى قتل السلطة.

نحن نشاهد مأساة يحيى وعائلته منذ اللحظات الأولى كما جسدها المخرج زياد هانى دون مقدمات وحين تطورت الأحداث لا يحدث شيء؛ نفس المشاهد، ندور فى هذه الفكرة. قبل أن يبدأ العرض وعلى باب المسرح يتسلم الجمهور رسالة ومن المفترض أن يفتحها قبل أن يشاهد العرض وفحواها «استدعاء ولى أمر، استدعاء رسمى باسم بطل العرض جاء فيه ما يلى: تفيد مدرسة «روض الفرج» باستدعاء ولى أمر الطالب / يحيى رءوف عبدالهادى، وذلك لتعديه على زميله بالضرب داخل المدرسة. برجاء الحضور على وجه السرعة لأهمية الأمر فى أى يوم من الأسبوع ابتداء من 21 سبتمبر 2022 / وهذا للعلم ولسيادتكم جزيل الشكر / يعتمد من مدير المدرسة. ومع الاستدعاء «باركود» كتب المخرج إلى جواره «لو مش فاهم حاجة اعمل إسكان للكود» ودون شك بداية مثيرة تدعو إلى الفضول، من خلال استدعاء ولى أمر رسمى يضع المشاهد أو قُل يتم توريطه فى الفكرة منذ اللحظات الأولى ليشاهد هذا الفضاء المسرحى الذى لا يتغير وتدور فيه كل الأحداث، اعتمد على الأبواب، الأبواب المغلقة التى تفصل بين هذه المستويات الثلاثة، الأبواب المغلقة فى وجه يحيى بطل الحكاية، واستطاع المخرج أن يوظف دلالة الأبواب فى الحكاية بشكل مثير؛ حيث تغلق فى وجه يحيى، فى المدرسة، يهرب خلفها فى البيت، يغلقها على نفسه فى المستشفى، يحتمى بها أو تكون مصدراً للفزع.

يطرح عرض «استدعاء ولى أمر» كما ذكرت مأساة يحيى التى هى أقرب إلى الميلودراما التى تطرح صورة نمطية للأب المستبد والأبناء المقهورين والأم المغلوبة على أمرها، وهى أفكار نمطية وآمنة لا تثير أسئلة أو تطرح جدلاً أو تثير أسئلة، مجرد صرخة احتجاج قديمة، كأن كاتبها يهرب من قضايا المجتمع وأسئلة الواقع إلى هذه الخواطر التى سوف يرحب بها المسئولون ولن تصطدم بالواقع وأسئلته الملحة، وقد انتشر فى السنوات الأخيرة هذا النوع من الدراما العائلية التى تناقش مشكلات الأسرة، مشكلات الآباء والأبناء، مشكلات الحب والزواج / والطلاق والعلاقات بين الأصدقاء، وظنى أنها ناتجة عن عدم وعى باللحظة الراهنة وقضاياها أو هروب من الصدام مع المؤسسة الثقافية أو مع الواقع بشكل عام!

ورغم ما ذكرته حول النص إلا أن المؤلف محمد السورى يحاول تقديم رؤية خاصة به أو قُل تعبر عن رؤية ووعى هذا الجيل باللحظة الراهنة، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها.. أما المخرج زياد هانى فيقدم من خلال هذا العرض أوراق اعتماده؛ مخرج يمتلك موهبة واعدة وقدرة على تقديم مشهد بصرى حافل بجماليات الصورة ولا يخلو من رؤية تشتبك مع الواقع. وشارك فى العرض مجموعة من الشباب «مصطفى رأفت، مصطفى سعيد، نانسى نبيل، لمياء الخولى، بتول عناد، أدهم هانى، ميسرة ناصر، مونيكا هانى، عمر عبدالبارى، لؤى سامى»، تصميم ملابس هاجر كمال، ديكور هبة الكومى، إضاءة إبراهيم الفرن.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

wave

المزيد من فن

wave
لماذا انحاز القـــادم من ميناء دمياط للمسرح الملحمـى؟

دون شك لا تخلو بداية المسرحى الشاب القادم من ميناء دمياط يسرى الجندى بالمسرح الملحمى من دلالة والذى أخذ منحى...

محمد خان.. روائى كتب عشرين فيلما من حياة النـاس

ليس فى العنوان خطأ، نعم أنا قصدت القول إن المخرج "محمد خان" روائى، يكتب بالصورة، وصوره أقوى من الأقلام المحترفة،

أحمد كشك: هابيع قطع غيار سيارات فى التوفيقية

فنان شاب صنع لنفسه مكانة فى قلوب الجمهور بعد أن نضجت موهبته خلال السنوات الماضية ليقدم جميع الألوان ويلمع نجمه...

المخرجة بتول عرفة: مبادرة إحياء المسرح المدرسى أعادتنى للطفولة

أعربت المخرجة بتول عرفة عن سعادتها بتقديمها أولى تجارب مبادرة إحياء المسرح المدرسي التابعة لوزارة التربية والتعليم  بمشاركة قنوات مدرستنا،


مقالات

wave
المقهى الدبلوماسي.. أولياء الله
  • الإثنين، 16 يناير 2023 02:54 م
المقهى الدبلوماسي.. أبناء "شيث"
  • الإثنين، 09 يناير 2023 02:34 م
المقهى الدبلوماسي.. الشهيد
  • الإثنين، 02 يناير 2023 02:12 م
المقهى الدبلوماسي.. وداعا 2022
  • الإثنين، 26 ديسمبر 2022 05:24 م